الثلاثاء , سبتمبر 18 2018
الصفحة الرئيسية / Uncategorized / رائعة موسى ولد ابنو ، حج الفجار باللغة الفرنسية

رائعة موسى ولد ابنو ، حج الفجار باللغة الفرنسية

2

بعد صدورها في عام 2005 باللغة العربية يعود الكاتب والباحث موسي ولد ابنو لإصدار روايته الشهيرة حج الفجار باللغة الفرنسية .

حج الفجار هي الرواية تاريخية ، تمزج بين السرد التاريخي والخيال العلمي. وهي الجزء الأول من ثلاثية عن الحج إلى مكة المكرمة ، تدور أحداث هذه الرواية في موسم الحجّ زمن الجاهلية المتأخرة وتحديداً في السنة الثالثة والخمسين التي أعقبت عام الفيل وحتى سنة ثلاث وخمسين بعد الحادي عشر من سبتمبر. ومن بين شخوص هذا الجزء الأول الشاعر لبيد والمومس مهدد وهاذر شيطان النابغة وأسماء العدوية، أجمل امرأة في العالم ، كما تتناول موضوع الحج عبر العصور ، بدءاً من العصر الجاهلي حيث  العرب ومعتقداتهم وطقوس عيشهم ، لتروي حكايات العصر الجاهلي التي قُصّت وكُتبَت في ما مضى ، فتنتج كتابة مكررة لهذا التاريخ. والجرء الثاني والثالث لا يزالان قيد الإنشاء .

ويتميز نص الرواية بكونه نص من “الخيال العربي – الإسلامي ” الذي يشير إلى عوالم خيالية مستوحاة من الجاهلية .

ويمكن التعرف أكثر عن الرواية من خلال ورقة تعريفية قدمها الكاتب في مؤتمر الإبداع العربي المعاصر الذي نظمته مجلة « العربي » في الكويت ونشرت في جريدة المستقبل بتاريخ 10 أغسطس 2010

[تدور أحداث حج الفجار في زمن الجاهلية المتأخرة وتحديداً في السنة الثالثة والخمسين التي أعقبت عام الفيل وتتناول حياة عرب الجاهلية ومعتقداتهم وطقوس عيشهم ، لتروي حكايات العصر الجاهلي التي قُصّت وكُتبَت في ما مضى ، فتنتج كتابة مكررة لهذا التاريخ. نحن اليوم أمام صورتين مختلفتين الى درجة التناقض عن العصر الجاهلي تقدمهما لنا كتب التراث، وكذلك الدراسات الحديثة: فهناك من جهة الصورة التي تبدو وكأن كل وظيفتها تبرير وصف ذلك العصر بالجاهلي. وهناك من جهة أخرى صورة عن العصر الجاهلي قوامها حياة فكرية نشطة، وأسواق للفكر والثقافة… تبعث رواية حج الفجار هذا الماضي من جديد، لأنه ينبغي عدم تدميره، ويجب إحياؤه، حيث إن تدمير الماضي يؤدي الى الصمت، كما يقول أمبرتو إيكو.

تزخر رواية حج الفجار بكل ما حفل به التراث القومي العربي من أصول شعرية ونثرية (أيام العرب، قصص الجاهلية اليمنية، القصص القرآني، السير الإسلامية، المقامات، أسجاع الكهان، ألف ليلة وليلة…)، والتي ما زالت تتردد على ألسنة العرب وفي جدانهم. لكن الشعر الجاهلي كان العنصر الأهم في الرواية، حيث تحكّم في شعريتها، في الزماكاني، في الشخوص وفي الأسلوب اللغوي. هذا الحضور الكبير للشعر الجاهلي مستوحى من أهمية الشعر عند العرب القدامى التي جاء التعبير عنها في الرواية على لسان النابغة الذبياني (ص 290). وتتمثل أهمية الشعر الجاهلي كإبداع تاريخي في كونه مصدراً خصباً يستدل منه على ملامح تلك الفترة التاريخية ويساعدنا على فهمها ومعرفتها. فهو ديوان العرب والسجل الحافل بأخبارهم، وهو الذي استودعوه قصصهم وأحداث حياتهم.

  1 البنية

تدور أحداث حج الفجار في زمن الجاهلية المتأخرة وتحديداً في السنة الثالثة والخمسين التي أعقبت عام الفيل. والرواية كما يوحي عنوانها تتركز حول موسم الحج لدى الجاهليين وما يسبقه ويكتنفه من محطات وطقوس وشعائر، فشكل الحج مسرحاً للسرد، لأن الحج الى مكة كان الموسم الأكثر كثافة وتنوعاً وتعبيراً عن حياة العرب وسلوكياتهم المختلفة، ولأنه الأكثر اكتظاظاً بالحشود التي تندفع من كل حدب وصوب لعرض «بضاعتها» الشعرية وللاستفادة من فرصة البيع والشراء في سوق عكاظ الشهير. وكان الحج في الجاهلية أيضاً موسماً للشعر، لأن الشعر كان مقدساً. فالسموط المذهبات وروائع الشعر الجاهلي كانت ترى النور في سوق عكاظ، أولى محطات الحج، بعرضها أمام حكماء الشعر الجاهلي (وآخرهم النابغة الذبياني)، قبل أن تعرض على أندية قريش في مكة، التي قد تجيزها للتعليق على أستار الكعبة أو جُدُرها.

تتوزع الرواية على أربعة فصول تتشكل وفق محطات الحج، كما توحي بذلك عناوينها: (إحرام، وقوف، تشريق، طواف). ففي الفصل الأول نتعرف على الشاعر الجاهلي المخضرم لبيد ابن ربيعة، الذي جاء الى عكاظ في رهط من قومه بني عامر، طمعاً في إيصال صوته الى النابغة، الذي يحتكم إليه الشعراء جميعاً ليقول فيهم كلمته الفصل. نرى لبيداً يستقسم بالأزلام أمام الآلهة لمعرفة طالعه، وهل يتجرأ على عرض شعره أمام الحكم؛ ثم نراه يروي لنا الرؤيا التي وقعت عليه (الرواية ص19) والتي تمثل نوعاً من الاستحضار الخيالي للمثول أمام النابغة. ثم نرى شيطانه يتغول له ليملي عليه معلقته الشهيرة، قبل أن يأخذه الى نادي شياطين الشعراء. وتمضي الرواية لتحكي لنا قصة إنشاد القصيدة أمام النابغة، الذي أصدر حكماً بتفوق لبيد على شعراء قيس كلها. وحين تسمع المومس مهدد بحكم النابغة للبيد تلجأ الى كاهنة جهار لكي تساعدها على امتلاك قلب الشاعر ودفعه الى أن يخصها بقصيدة غزل أو نسيب.

وفي مطلع الفصل الثاني، وقوف، ينصرف الحجيج من عكاظ الى محطات أخرى من بينها مجَنّة وعرفة ومزدلفة ثم منى، وفي الفصل الثالث، تشريق، ترد بعض أشعار الجاهليين ضمن حلقات ذكر الآباء عند جمرة العقبة. أما في الفصل الأخير، طواف، فترد أشعار أخرى وتعليقات كثيرة على شعر لبيد الذي يعرض قريضه أمام أندية قريش. وتُختم الرواية بمشهد لبيد وهو يتجول في جوف الكعبة، ينظر الى القصائد مفاخر العرب معلقة على أركان الكعبة وقد كتبت في القُباطي بماء الذهب، فيَهُم بالاقتراع عند هبل على مآل شعره.

    المعلقة

هكذا تسير الرواية على منوال المعلقة، فتبدأ في عكاظ لتكتمل في مكة. إن حضور المعلقة الجاهلية كبير في النص وهو عميق وشامل يتجاوز حد التأثر الى النقل والاقتباس، وامتد من البنية الروائية الى الجو العام والقيم والشخوص والأساطير والرموز. وهذا يدلنا على صلاحية الشعر الجاهلي لتغذية الفن الروائي الحديث، على الرغم من اختلاف الأشكال. فبهذا النقل للشعر الجاهلي الى إطار الرواية حاولت حج الفجار إعادة كتابة هذا الشعر وأشكال أخرى من أدب العصر الجاهلي، موظفة بذلك فنيات التناص في أقصى حدودها.

إن اختلاف الأشكال الأدبية يقودنا الى التساؤل عن العلاقات المتينة التي تربط النصوص عبر الزمن، وذلك بغض النظر عن التميّز التقليدي ما بين الشعر والمسرح والرواية. تتجلى هذا العلاقة في إشكاليات التناص، لأن المبدع لا يعدو أن يكون معيداً لإنتاج سابقيه في حدود من الحرية والتصرف.

لقد حدد جرار جنت Gérard Génette في كتابه (Seuil, 1982 Palimpseste) خمسة أنواع من التجاوز النصي Transtextualité وذلك على النحو الآتي:

– التناص، Intertextualité ويعني الوجود الفعلي لنص ضمن آخر.

– شبه التناص، Paratextualité ويعني وجود إشارات في نص تحليل على نص آخر.

– التعليق، métatextualité ويعني التعليق على النص المستحضر.

– الجمع النصي، Architextualité وهو العلاقة المجردة الأكثر ضمنية ما بين نص وآخر.

– التناص الفوقي، Hypertextualité ويعني كل علاقة تجمع بين نصين يُزرع أحدهما في الآخر.

وهذه الأنواع كلها من التناص وُظفت لاستحضار الأدب الجاهلي ضمن رواية حج الفجار التي تعبق بأريج الثقافة الجاهلية شعراً ونثراً وحكايات ورؤى وأساطير. فالرواية تمتح من روائع المعلقات والأهزاج وأسجاع الكهان وخطب الفصحاء وأشعار المنافرة، من دون أن تنسى مظاهر الحياة الاجتماعية، خصوصاً ما يتعلق بحقل المختلقات والرقية والاستشفاء. وقد ورد نص معلقة لبيد كاملاً في متن الرواية بصيغتين مختلفتين، إذ عرض في لحظات تشكله الأولى على لسان شيطان لبيد (ص 33-34)، قبل أن ينشده الشاعر أمام الحكم (ص 48-54)، ثم في مكة أمام أندية قريش. كما وردت في الرواية تعليقات كثيرة ورؤى نقدية تناولت المعلقة. ووردت أيضاً نبذ أخرى من أشعار لبيد، مثل البيت الذي أنشده في نفسه شفقة على شحاذ عكاظ (ص16):

لحا الله هذا الدهر إني رأيته بصيراً بما ساء ابن آدم مولعا!

كما وردت أيضاً في الرواية قصيدة المتجردة، دالية النابغة الشهيرة، التي ألقاها هَاذر، شيطانه، في جو ملتهب أمام شياطين الشعراء المنتدين في عكاظ تحت إمرة شيخهم إبليس، قبل أن ينشدها لبيد أمام المومس مهدد المُتلهِفة (الرواية ص60) أما تناص الرواية الرواية مع شعر امرئ القيس فجاء على شكلين تُجلى أولهما في إيراد بيت من بائيته المشهورة، ورد في وصف حال أرق لبيد بالمحصب: «.. لم يستطع لبيد الهجوع بالمحصب: طار نومه، بقي متكئاً على دقاق الحصى المتلألئ تحت ضوء القمر الباهر، ومن حوله السامرون الذين أرادوا اغتنام فرصة اللقاء قبل فراق المحصب…»:

فلله عينا من رأى من تفرق أشت وأنأى من فراق المحصب (ص 165).

وأخذ ثانيهما شكلاً شبه تناصي في مواضع مختلفة من النص على النحو الآتي:

– «… تصد وتبدي عن أسيل (…) ثم تلتفت إليّ بناظرة مطفل من وحش وجرة..» (ص 19).

يحيل الى قول امرئ القيس:

تصد وتبدي عن أسيل وتتقي

بناظرة من وحش وجرة مطفل

– «… عذارى جهار يرقصن في ملائهن المذيل…» (ص43) يحيل الى قول امرئ القيس:

فعن لنا سرب كأن نعاجه

عذارى في الملاء المذيل

– «… كان لبيد جالساً بفناء قبة عمه التي بثت أمامها الفرش. أقبل رجل طويل وسيم، متى ما ترقى العين فيه تسفل…» (ص56) يحيل على قول امرئ القيس:

ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه

متى ما ترقى العين فيه تسفل

– «… لم تبك لأنك مظلومة وإنما بكيت لتقدحي في قلب مذلل منقاد…» (ص119) يحيل على قول امرئ القيس:

وما ذرفت عيناك إلا لتضربي

بسهميك في أعشار قلب مقتل

«… صباح قزح لا صياحك. يمين الله مالك حيلة في ما قصدت له.. (ص 104) يحيل الى قول امرئ القيس:

فقالت يمين الله ما لك حيلة

وما أن أرى عنك الغواية تنجلي

أما في ما يخص عمرو بن كلثوم فقد جاءت في الرواية إشارات تحيل على معلقته كما في:

– «.. ترقص بذراعي عيطل أدماء..» (ص 19) يحيل الى قول عمرو

تريك إذا دخلت على خلاء

وقد أمنت عيون الكاشحينا

ذراعي عيطل أدماء بكر

هجان اللون لم تقرأ جنينا

-ـ «… وتتحول فوق ظهر الناقة لتريني ثدياً رخصاً مثل حق العاج..» (ص 19) يحيل الى قول عمرو:

وثدياً مثل حق العاج رخصا

حصانا من اكف اللامسينا

– «.. توليني ظهرها لتريني متني لدنة طالت ولانت روادفها وساقي رخام أو بلنط…» (ص 19) يحيل على قوله:

ومتني لدنة طالت ولانت

روادفها تنوء بما ولينا

وساريتي بلنط أو رخام

يرن خشاش حليهما رنينا

وجاء استلهام شعر طرفة والشنفري على طريقة شبه التناص أيضاً. فالأول حاورته الرواية عبر:

– «… مالت الى الخوان وهي ترنم بمطروفة لم تشدد…» (ص 159) فهو يحل على قول طرفة:

إذا نحن قلنا اسمعينا انبرت لنا

على رسلها مطروفة لم تشدد

أما الثاني فحاورته الرواية من خلال: «.. كان أبي ذا أنفة يسلب ولا يطلب، كان يطيل الصبر على الجوع حتى يذهل عنه.. وكان يفضل أن يستف التراب على أن يكون لإنسان عليه نعمة.. (ص 132) يحيل على قول الشنفري:

أديم مطال الجوع حتى أميته

وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل

وأستف ترب الأرض كيلا يرى له

علي من الطول امرؤ متطول

ووردت نماذج أخرى من الشعر الجاهلي كشعر ضرار بن الخطاب (ص 130) وعروة بن الورد (ص 132 – 133) وعبد المطلب (ص 144) والزبير بن عبد المطلب (ص 192) وعثمان بن مظعون (ص 171).

  2 – الشخوص

لا نقع في رواية حج الفجار على بطولة فردية مطلقة. فنجد أبطالاً متعددين يتقاسمون الأحداث، لأن البطولة الرئيسية هنا للجماعة، من ناحية، وللمكان والزمان من ناحية أخرى، فاختيار موسم الحج الذي تتداخل فيه الحشود وتتعايش الأضداد وتذوب الفوارق وتحقن الدماء وهو بحد ذاته اختيار للحظة البطولة الجماعية في ذروة احتدامها وتألقها واتصالها بالغيبي والماورائي. هكذا نعثر في الرواية على متوازيات سردية يوفرها لنا مناخ الحشد في عكاظ، حيث يعمد الحكي الى التنقل المستمر بين المجموعات المتجاورة والمشاهد المتبادلة حيث يلتقي فوق ساحة واحدة: «تجار وكهنة وسحرة ومومساً وحكماء وخطباء ومتنبؤون ومتوسمون للثأر ومتوسمات وقابلات وضاربات حصي وزاجرات طير وشحاذون وعبيد وحراس قوافل وصناع ورعاة، وجزارون واشراف يبحثون عن السؤدد، وشعراء يبحثون عن الشهرة ورواة يبحثون عن شعراء ومغنيات وقينات وراقصات ومطبلات وعشاق وفرسان مقنعون وغير مقنعين وصعاليك..» (ص 20) نجد أيضاً في الرواية شخوصاً شبه محوريين يمثلون وجوهاً تاريخية في الشعر الجاهلي مثل لبيد بين ربيعة والنابغة الذبياني، كما نجد خطباء وكهنة ينافسون بأسجاعهم قريض الشعراء. وإذا كان الحكم قد رفض أن يعرض أمامه سجع الكهان، ليختص الشعراء بتحكيمه، مفضلاً الشعر على السجع، فإن الشيخ ابليس قد حكم أمام ذريته من الشياطين بأسبقية السجع على الشعر. ونجد أيضاً من بين شخوص الرواية زمرة من شياطين الشعراء مثل هاذر، شيطان النابغة ولافظ بن لاحظ، شيطان امرئ القيس والشيخ ابليس وأبناؤه (زلمبور، داسم، تبر، الأعور، ومسوط) وثلة من رئيي الكهنة وبعض التوابع من الجن كأم حمل. كما تلوح شخوص كثيرة أخرى تظهر تارة وتختفي في حشود الموسم مثل همام بن الخطيم وأسماء العدوية وزهير بن الهبولة وطفيل بن عمرو وخارجة بن ندبة وغيرهم. ظهر أيضاً في الرواية شخوص آخرون يمثلون سدنة الأصنام، مثل مالك الذي ينتمي الى أسرة آل عوف النصريين، سدنة جهار وأبو الأشهل من الغطاريف، سدنة مناة ودبية بن حرمي الشيباني، من بني شيبان، سدنة بيت العزى بنخلة.. ومن شخوص الرواية من هم وجوه تاريخية حضرت في الرواية من دون تصرف كمحمد رسول الله وكثير من أصحابه. ومن الشخوص التاريخية من وردت سيرته بشكل شبه متخيل كلبيد والنابغة الذيباني وقيس بن ساعدة وسدنة الأصنام وأسماء العدوية.. إلخ. كما نجد أيضاً شخوصاً متخيلة تماماً مثل المومس مهدد ومحمود الذي يرمز الى فيل أبرهة الحبشي ومرثد الخير بن حناطة الحميري وباهوش، شيطان المروة الذي أغرق السفينة وألقى بها على شاطئ الشعبية، الميناء القديم لمكة.

 3 – الزمان

تبدأ أحداث الرواية في فجر اليوم الأول من ذي القعدة من سنة 53 بعد عام الفيل، وهو اليوم الأول من موسم سوق عكاظ الشهير، كما يمثل فاتحة موسم الحج، وتنتهي مع نهاية الموسم. وسوق عكاظ عرف أول ما عرف بأنه الموسم الذي يحتكم فيه الشعراء من كافة أنحاء البلاد العربية الى حكماء الشعر الجاهلي. فزمن الرواية اذن هو زمن الحج والشعر، وله القداسة التي جمعت بينهما في الجاهلية. فزمن الرواية اذن هو هذا الزمن المقدس الذي كان يمتد طيلة الأشهر الحرم.

يمثل زمن الحج ايقاعاً ممتداً على فضاء الرواية وهاجساً محورياً من بدئها لختامها وإطاراً مرجعياً ينظم ايقاعات اللغة والأماكن والشخصيات والمشاعر والأفعال والرؤى والعلاقات، حيث يقوم ايقاع الزمن المتقطع، ما بين محطات الحج المختلفة، بضبط الحالة المركبة التي تجسدها شخصية الشاعر لبيد شبه المحورية في الرواية، وهو ايقاع ينطوي على تنويعات نغمية صاعدة وهابطة. شكل زمن الحج ايقاعات القص المتعددة في الترتيب والتواتر، في الارتجاع والاستباق، في الاستطراد والاقتضاب، في التفصيل والتكثيف، في الاتساق والتنافر، وفي التداخل والتقاطع.

  4 – المكان:

لا ينفصل المكان عن الزمان في لحظة التقاطع السردي بين زمنين هما زمن الشعر وزمن الحج، فهو على نحو أدق تقاطع زمكاني (بتصور خاص لهذا المفهوم الباختيني) والزمان – كما هو ملاحظ – سابق على حدود المكان. فالزمان هو روح المكان. مثلما هو محرك الشخصيات والأحداث، كما أن المكان يحمل وشم الزمن ويجسده علائمياً.

يُستهل حضور المكان بوصف واقعي دقيق لذلك السهل الفسيح الذي تقوم فوقه سوق عكاظ، فنرى السارد يجول بصره في ذلك المدى الممتد وينقله ليعطينا صورة بانورامية شاملة الرؤية. كما تتحرك الكاميرا على محورها في أثناء التصوير Panoramique Traveling،: «في فجر هذا اليوم الأول من ذي القعدة من سنة 53 بعد عام الفيل، خرج مالك سادن جهار من المعبد، رأى الناس وقد سال بهم السهل الفسيح. سطعت اسنمة الدواخن وارتفع الغبار في الآفاق. جاءوا راكبين كل صعب وذلول ومترجلين، وافدين على موسم عكاظ، تحدوهم الكواسر من النسور في مرائبها السوداء والعقبان خزر العيون، تحثهم موقنة اأنها ستجد قوتها بوفرة في لحوم القرابين على أنصاب عكاظ. حلوا بصحراء عكاظ التي لا علم بها إلا ما كان من الأنصاب التي تكدست عليها دماء القرابين، فجفت الطبقة منها فوق الطبقة حتى انتهت في تراكمها الى ما يشبه الأرحاء العظام، شامخة في ذلك السهل الممدود والمتسع» (ص 5). ثم تمضي الرواية لتصف لنا البيع والحشود: «ما إن بدأت الشمس تميل حتى قام البيع واجتمع الألوف. امتزجت روائح الطيب بروائح الأبزاز والغبار والعرق، وبالأصوات من كل اللغات والنبرات: فراتية العراق وكشكشة أسد وكسكسة بكر وغمغمة قضاعة وطمطمانية حمير، امتزجت أصوات البشر والحيوان بقعقعة الأشياء وطقطقتها وصليلها وطنطنتها وبرنين الكؤوس وخفخفة القماش وخشخشة وبأنين الجواري الخافت، وقد نزعت دروعهن وجُلين في أثواب تشف عن ألوان بشرتهن وتصف محاسنهن: أنها جلبة الأشياء والكائنات في أصيل عكاظ. بدأ سرو اليمن يعرضون تجارتهم. فعمت السوق روائح جبال اليمن المنعشة وألوان منتجاتها الزاهية..» (ص 14 – 15)، ثم تصف الرواية المعروضات على لسان الشاعر لبيد المتجول في السوق والذي تقوده «الهيمة الى معروضات الفواكه كالتين والعنب والرمان والسفرجل والخوخ والاترج والجوز والمقل والبطيخ والقثاء والبقول كالباذنجان واليقطين والسلجم والجزر والكرنب الى غير ذلك من الرياحين العبقة والمشمومات العطرة ..» (ص 15)

هذه الرؤية الشاملة لسوق عكاظ ومشاهد تفاصيله الدقيقة هي التي أسست لشاعرية المكان وميزته وجعلت الشخوص ينسجمون معه ، كما هي الحال مثلاً بالنسبة لمالك المنتمي الى أسرة آل عوف النصريين، سدنة صنم جهار ، إله هوازن الشامخ معبده في عكاظ. فجعلت من المكان عامل سرد ديناميكي يشارك في بناء الحكي.

إن الانسجام بين أماكن محددة وشخصيات تاريخية هو الذي أعطى للتاريخ صدقيته ومكن من انبعاث المجتمع الجاهلي في مختلف جوانب حياته. وشكل فضاء الشعر ، ما بين عكاظ ومكة ، معالم مشهد مسحري متحرك décor، تحكم في مناحي الحكي والشخوص.

  5 – الأسلوب

شكلت رواية حج الفجار حقلاً معجمياً كبيراً للحج وكل ما يتعلق به من طقوس ومواقع ومناسك وشعائر. كما قدمت صورة واضحة للبيئة الدينية والاجتماعية والعقلية التي نزل فيها الإسلام وما فشا في تلك البيئة من عبادة الأصنام وضرب القداح واستخدام الرقى والتمائم ومجالس الشراب واللهو. ومثل أيضاً أسلوب الرواية نسيجاً لغوياً متيناً مغرقاً في معجميته ، يناسب الحقبة التاريخية التي يتحدث عنها ، هكذا ناسبت اللغة الحكاية وتنوعت بين السرد والوصف ، وجمعت بين المتحرك والثابت واشتملت على قدر كبير من الشعر والأهزاج ، وأفردت حيزاً معقولاً للحوار.

تتناص رواية حج الفجار في لغتها وخطابها مع آثار شعرية وسردية معروفة طبعت أسلوبها. فمما يشترط في التناص أن تكون النصوص المتحاورة ذات بنية رمزية متشابهة. هكذا قاربت الرواية العصر الجاهلي بلغة تحاكى لغة الجاهليين في وعورة مفرداتها ومصطلحاتها . ولم تنسحب هذه الخاصية فقط ، على النصوص المنسوبة الى الجاهليين أنفسهم ، بل تجاوزتها الى لغة السرد في الرواية كلها التي ضجت بالمفردات والتراكيب التي قد تبدو صعبة. لكنها مفهومة من خلال السياق العام للسرد. ثم ان الأسلوب النثري تناسب مع أسلوب النصوص الشعرية التي وردت في النص ولم ترد شروح لها كيلا تفقد الرواية عفويتها وتلقائتها . كما تأثر أسلوب الرواية أيضاً بلغة المأثورات السردية العربية وتناسب مع آثار سردية معروفة.

لكن تناص الرواية مع المعلقة الجاهلية هو الذي أسس لشاعريتها ، وذلك لأن النص المحاور هو في النهاية الشعر نفسه. فلم تعد بين الشعر والنثر حدود فاصلة تماماً. كما لا نستطيع أن نميز بين ايقاعاتهم ا، وذلك لأن النثر قد صمم بطريقة الشعر نفسها ومن المادة اللغوية الخام نفسها.

لكن مع التقدم في قراءة الرواية ، وبالرغم من التناص المشع مع الآثار التراثية القديمة ، نجدنا نولي اهتماماً أقل لهذه النصوص المكررة وتبعدنا إعادة الكتابة عن الموروث التراثي لتقربنا من الكتابة الروائية.

موسي ولد ابنو

أكاديمي من موريتانيا

عن كلتريم ABDELL

حاولوا تصفح الموقع مرة أخرى

باحثون يناقشون تجديد الخطاب الديني

نظم منتدى بيت الحكمة ندوة فكرية تحت عنوان تجديد الخطاب الديني الشروط و الإشكاليات الندوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *