الثلاثاء , سبتمبر 18 2018
الصفحة الرئيسية / Uncategorized / رسالة إلى الجمل ، الراحل حبيب ولد محفوظ

رسالة إلى الجمل ، الراحل حبيب ولد محفوظ

رسالة إلى الجمل ، الراحل حبيب ولد محفوظ ترجمة هيبتن الحيرش

« ليس النقد فعلا، إنه يكتفي بمتابعة الفعل. » لودڤيگ فيورباخ

عزيزي الجَمل،

أعرف أنه ليس مِن السهولة بِمَكان أنْ تكونَ جَملا في الوقت الحالي. تتسنم مِن الصعاب ما يجعلكَ لا تَقوى على التفكير في أي شيء آخر، إلا أني أجزمُ أنك ستسامحني، مِن أعماق صحرائك، إذْ أوجِّهُ إليك هذه الرسالة.

أكتبُ إليكَ، في الواقع، لكي لا أقولَ شيئا. هذا رائع، أليسَ كذلك ؟ أولا، لا تَكترثْ للقولة التي استشهَدتُ بها مُستهَل خطابي، فهي لا تعني شيئا. صحيح أن فيورباخ هذا ليس مِن البَلادَ.. ةِ في شيء… لكن هذا لا يبرر شيئا… إنما هو عَجزُنا الثقافي الحالي عن أنْ ننتجَ بأنفسنا لأنفسنا… قد دخلنا عصرا ثقافيا وسيطا حيث عبارةُ « قال فلان » متداولة بين الناس أكثرَ مِن غيرها… أصبحنا مستهلكين في كل أوقاتنا.. إلا أننا لا نستهلك سوى منتوجات مِن الدرجة الثانية، نفايات… سامة.

إن فضاءَنا الثقافي عبارة عن مَسرح كئيب يحذو فيه شباب بشواربَ نيتشوية حذوَ شيوخ، أورادُهم عبارة عن استشهادات مِن القرون الوسطى… يعمل كل مِن جانبه على الخشبة، يصرخ، ينادي، يتفنن في كيل التهَم، ينفيها، يتغاضى عنها، يفترض أشياء، يرفضُها، يفرضُ ذاته. أمامَ قاعة فارغة. غادرَ الجمهورُ المكانَ، قد مَل مِن هذه الحركات البهلوانية. أغرقَتْ جوقةُ « النخبة » هذه المَسخرةَ في بَحر مِن الأصوات المتنافرة التي لا يسمعها أحد…

أيها الجَمل، لم تَعد ثقافتنا سوى قطعة مِن ورق… في مرحاض… بِتْنا نُجيدُ التقليدَ، النسْخَ … الصحافةُ، احترامُ المعايير، الترفُ الفكري، التكرارُ، هذه هي الكلمات المفاتيح لدينا…

تُذهلنا المنتوجاتُ المستوردةُ … نَقتاتُ على الاديولوجيات المطبوخة في مطاعم الهزالة الكونية … نَلوكُ العلكةَ التي لَفَظَها آخرون منذ زمان في أماكن أخرى …

كل هذا لأقولَ لك إني استشهدتُ بمفكر ألماني لأعبرَ عن فكرة، في إمكان أي جَمل أنْ يجدَها و هو يَجتر …

اسمَح لي، أيها الغالي ( كم أنتَ غال ! )،  أنْ آخذَ مِن وقتك الثمين… لحُسن الحَظ أنكَ لا تملك ساعة … أتدري ؟ هذا الشيءُ الشيطاني الذي يقيس الوقتَ، يُكيفنا حتى أني أتساءل إنْ لم يكن هو الذي اخترعَنا. بالمناسبة، هل تتابع بانتظام دروسَك في مَحو الأمية ؟ لا تَقل إنكَ كنتَ تعرف القراءةَ و الكتابةَ مِن قَبل، فهذا غير صحيح … فليسَ يسيرا على مَن هو في سنك أنْ يخرجَ مِن نعيم يقينياته ليتعلمَ … نتساءل دوما عن جدوى التعلم في هذا السن، خصوصا إنْ لم تكن وراءه غاية… حَسنا، سَجلْ أيضا جدتَك، هكذا على الأقل يصبح بإمكانها متابعَةُ أخبار مساء الأربعاء على أمواج إذاعة موريتانيا…

عزيزي الجمل، عدا هذا، ما أحوالك ؟ ما أحوال ابنِ أخيك ؟ لقيتُه ذاك اليوم. قال لي إنه، بعدَ أنْ تنقلَ بين  الخليج، ليبيا و السنغال، قد بدأ يعمل سائقَ سيارة أجرة. و هو عمل مُربح على كل حال. في نواكشوط لا توجد سوى سيارات قليلة و الناس كثيرون، حتى أني اقترحتُ على شخص مِن ذوي المكانة الرفيعة بالبلد الآتي: أنْ يُقل الأشخاصُ السيارات. هذا مِن شأنه أنْ يَحل المشكلَ و يوفرَ المالَ. نضع جميعا بطاقات على جباهنا و صفائحَ على رؤوسنا. و ترفع السياراتُ عجلاتها الأماميةَ لإيقافنا…

ابتداءً مِن يناير 89، سيتطلب الأمرُ رخصة لقيادة الجمال… تصور! قف ! الشرطة ! الأوراق ! الكابح اليدوي ! الغمازات ! اهبطوا ! ماذا في بطنك ؟ التأمين ! حمولة زائدة ! قل لي، أتتصور هذا ؟ جمل يقف عند إشارة الوقوف، يستجيب للضوء الأحمر، يقف ملءَ قوائمه ليقِلَ امرأة حسناء في زهرة العمر ؟ 

لنضَع حدا لأحلامنا…

تضحك، تضحك أيها الجمل… و أنتَ مُخطئ… فهذه الحياة تروق لي في الأعماق… هي دارُ مَمَر… و ستختفي مِن تلقاء نفسها… الحالة محرجة لكنْ غير ميئوس منها… ما زالَ رجال و نساء يثقون  ببلادهم بالرغم مِن الخَطابة الغبية، الخِطابات المعتمة، الاديولوجيات المتقادمة، التحليلات المبتذلة… بالرغم مِن المخالفات التي نسجلها ضد الجمال، أمية البقرات، الروث الذي يباع في الأسواق الممتازة، حمالات الصدور المفروضة على الماعز… بالرغم مِن سَمَكنا الذي نُصَدره لكي نستوردَه لاحقا، حديدِنا الذي نبيعه لنشتريه بعدَ ذلك.

بالرغم مِن رجال الأعمال الذين لا يقومون بأي عمل، المديرين الذين لا يديرون شيئا، المُدَرسين الأميين، المطربين الصم، العدائين المصابين بالشلل… فنحن لم نفقد الأملَ أيها الجمل… و نحن مُحِقون إذْ لم نفقده…

أيها الجمل، بين كثبانك و النجوم الكئيبة، قد يصيبك المَلل… إيتِ إلى هنا، إلى نواكشوط، أحضِر عائلتك، جيرانك، راعيكَ أيضا إنِ اقتضى الأمر، هذا الجلاد السادي. جئ. خُذ ورقَ الجرائد، سطلا، و علبةَ فاصولياء فارغة و أقِمْ كوخَك حيث شئت… أراك تمشي بسوق المقاطعة الخامسة بخُطى ثابتة بين بائعي الملاحف و بائعات الدراريع…  افعَل ما يفعله الناسُ.

أنتَ موريتاني خالص !  لا تنسَ بطاقتك الوطنية، مِلَفك القضائي و ألصِقْ طابعا بريديا مِن فئة 50 أوقية على فمك. هكذا لن تستطيع أبدا فتحَه و ستظهَر في صورة طلَب خَطي.

أيها الجمل، أخي الجمل… لا تأتِ، إنْ شئت… إني أفهمك. نحن نفهمك،  قد ذُقنا، مثلك،  خَمرةَ  الفضاءات الشفافة ، التي لا يَحُدها البصَر… قد نَهلنا مِن ضياء القمر، مثلكَ أنت… مثلك، قد وجدنا السراب، بحثنا عن أماكن غير موجودة… أيها الجمل، و قد أدركنا أن الشِّعرَ ضروري في عالم آخر غير عالمنا… فارتحلنا.

الظاهر أيها الجمل أن بلدي، شعبي، قصيدة مُهَلهلة، مهلهلة… و غير مكتملة… قصيدة تكتب نفسَها، تحيا، تبني لحمها مِن لحمها، تتنفس العالَم  حسبَ إيقاعها الخاص…

و أنا، و أنت. و نحن، لسنا في آخر المطاف سوى خَونة، مرتدين.

و السلام.

عن كلتريم ABDELL

حاولوا تصفح الموقع مرة أخرى

باحثون يناقشون تجديد الخطاب الديني

نظم منتدى بيت الحكمة ندوة فكرية تحت عنوان تجديد الخطاب الديني الشروط و الإشكاليات الندوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *