السبت , سبتمبر 22 2018
الصفحة الرئيسية / Uncategorized / عثمان مُوسى ديكانا.. الجهةالخامسة

عثمان مُوسى ديكانا.. الجهةالخامسة

 

فتح عثمان حقول المعاجم وكسر الجدران. كتب عثمان كما يتنفس الآخرون. لقد وهبَنا عثمان كلماته الوضاءة…لقد وهبنا الدنياكما قال”.– الشّاعرة الموريتانية مريم منت درويش.

إنّ أصعب ما يكون هوّالكتابة عن أشخاصٍ غير عاديين بكلمات عادية كالتي تكتبنا. وفي زمن التّحولات المخيفة التي تضربُ بنية التاريخ و تُفتت الأنساق و تطالُ الشّخوص حتى تلتهم الزمن على نحوِ مُوجع، يكونُ تحد حقيقيا الكتابة عن اسم مثل عثمان موسى دياكانا، فمن نُحاولُ ملاحقة ظله المائل نحوّ التراب بالكلمات ، قد مضى مُكتملاً إلى فجرٍ ظلّ يسقيه بالضّوء و المعنى حتى عمّ الظلامُ فجأةً بين يديه.

ولد الفقيد عُثمان دياكانا 1951 في مدينة كهيدي المنسية في ذاكرة الجنوب النازفة، هناكَ حيثُ تحترقُ صفائحُ الماء في نهر الحرمان الدائم عند الغروب، وفاءً لوهجه الذي لم يخفت، حيثُ مازالُ ينيرُ دروبّ كل السائرينَ في اتجاهِ  فوتا الأم، التي لا تزالُ أطلالها ماثلةً في شعر هذا الغائب ونثره المُسافر عبر الزّمن، حتى و إن خطّ المخمورونَ الفرنجة حدودّ هذا المنفَى الدائم لبادية الشّيخ محمد المامي، و كفّ عن الحديث بالسوننكية ومضى مأخوذا بأقدس الصّمت، هذا الموتُ الكبير.

تعلم الشاعرُ الذي كان يُدعى عُثمان اللغة العربية وتهجي السلام بالسوننكية التي سيكونُ بعد ذلك إحدى كلمات قاموسها، و بدأت مخيلتهُ تبتَلُ بخرير الضّفة حيثُ يترددُ في المساء ليُرتبُ ملامح طفولته. دخل عثمان المدرسة باكراً، وختم دروسهُ من إعدادية مدينة كيهدي، قبل أن يشد وتر عمره الموسيقي – تساءلت الباحثة المُخضرمة كاترين الشيخ عن السّر وراء تسمية الجانبهالبيظة و الكحلة بهذه الالوان، لعلها وجدت الإجابة – و يتجه إلى مدينة إنواكشوط ويلتحق بالثانوية الوطنية.

بعد حصولهُ على شهادة الباكلوريا 1970، ابتعد عثمان عن اسم جده قليلاً، و حال بينهُ و بين الرّوح جدرانٌا و صحاري و جنود، حيثُ رحل إلى مغربِ الطاهر بن جلون، و الذي افتتح بالمناسبة باقتباسِ له أغنيتهُ المطرية أو قصيدتهُ التي تتخللها التفجيرات على حد تعبيره :  الشّرقية.. أغاني إلى امرأة في الساحل.

بعد سنواتٍ من الدراسة الجادة في المغرببمنحة حكومية حصل عليها عن جدارة،، ظلّ حلمُ الفقيد ينمو كما الأشجار، حيثحاز عام 1976 على شهادة المتريز من جامعة محمد الخامس في “التداخل الصّوتي و المعجمي و النّحوي بين العربية و السُنونكية” و منها أنتقل إلى فرنسا ليزدادَ المنفى اتساعا لكنّ شجر الحلم لا زال ينمو، فقد خط الفقيد لحياته مسارا ظل يلاحقة حتى النهاية.

بعد انتقاله و فوتا التي تسكنهُ إلى جامعة السوربون و بعد ليال من الحنين لبلاد كان صيدو و عُمر با، بلادِ الشّرقية، حصلّ عثمان على دكتوارة السلك الثالث في اللسانيات عن مقاربة صوتية ومورفولجية للغة السوننكيةفي كيهيدي التي تنامُ في ركن قصي من قلبه، و هنا لا بدّ من التّوقف قليلاً على ملاحظات هامة تكشفُ عن خبايا هذه الرّوح السننكية التي غابت عن الأنوار في ذات السنة التي ابتعد فيها حبيب ولد محفوظ عن موريتانيد، وحظيت بالكثير من الإعجاب من البروفسير عبد الودود ولد الشيخ عالم الإجتماع العظيم.

يقولُ البروفسير في ورقة تأبينية قُرأت بالنيابة عنهُ في حفل تأبينٍ نُظم 2015 للفقيد : ” أشير هنا بشكل عابر إلى أن هذا الفرانكفوني الذي كان كامل الازدواجية – السونينكية\ البلارية – مع إلمام بالولفية والحسانية، كان قد أنهى المرحلتين الأوليين من تعليمه العالي في المغرب، وكان كذالك منفتحا علي اللغة العربية لأن والده موسى دييدي، أحد كبار أعيان حي “كاتاكا” السوننكي في مدينة كيهيدي، وعلى نطاق أوسع، محيطه العائلي ممن يتقنون الكتابة والقراءة باللغة العربية وورثة تقليد عريق في الالمام بالثقافة الاسلامية العالمة”.

و يضيفُ البروفسير :

“عندما يتعلق الأمر بالشاعرية او التعبير العاطفي الذاتي في الأسلوب الشعري يعبر عثمان دياغانا عن ذائقة جماعية مشتركة متجاوزة الحدود الجمالية والمعالم الثقافية لمحيطه الأصلي. على سبيل المثال لاحظوا احتفاءه بالمرأة “البيظانية” في مجموعته الشعرية التي تحمل عنوانا ذا رمزية بالغة “شرقية. “. 

إن هذه الملاحظات المنهجية و الجميلة ذات الأبعاد المُختلفة، تعيدُ طرح السؤال الذي فرض نفسه، لماذا لم يلق هذا السوننكي “إنسانُ كلّ الألوان.. إنسان كل الجهات” على حد تعبير سمي عثمان في العظمة ونكران الذات جبريل زكريا صال – ما يليقُ به من احتفاء و تخليد، و سنتركُ الإجابة على هذا السؤال معلقةً إلى أن تحلّ اللّحظة الدرويشية التي عبرت عنها مريم في رثائية مشهودة : ” حيث لا يعكر صفوك بحث عن أصول أو فصول …في عالم يمكن لكل منا التعرف على الآخر في حدوده انسانيته، لغاته و ثقافاته المختلفة. فقط هناك في ذلك العالم سيتم التعلم من عثمان وتدريسه ومشاركته ابتداء من الفصول التربوية الأولى” .

عاد عثمان إلى بلده منفى القصائد ، ليُربي الأجيال على حفظ اللسان الموريتاني، متعدد اللّهجات، و عمل أستاذا في جامعة نواكشوط، التي بخلتُ عليه بإطلاق اسمه على مدرجٍ حتى، و فيها ترقى في مناصب عدة، وظلّ كما هوّ باسمه و لسانه الموريتاني، “يكتبُ كما يتنفسُ الأخرون”.

و إذا كانَ بين السّاحل و نيويورك قصيدة طويلة كتبها الشهيدُ تان يوسف كي، فإنّه في أقاصي تلك الجغرافيا التي تهُبُ عليها نسائم حوض أرغين الذي يعجُ بالعطور البرتغالية، فإنّ عثمان شيّد هناك مملكة على تلك الأرض التي أخذت رمالها الذهبية لونَ الشّرقية، مملكةً من الكلمات التي تلمعُ في ليال المُسافرينَ على جراح الغياب على تلك الجهة الغاوية وكل جهات الحنين.

يقولُ عثمان الاستثناء في القصيدة الموريتانية في مقطع ساحر حطم فيه وهم الزّمان و المكان، و طاف بقلبه الجهات الأربعة، ليشكل أخرى خامسة بلا نهائيتهِ المُحيّرة :

أحلم..”

أفكر بمُرتّلي لَيْلِي، بليلى وبالليل،

أحلم بلغتهنّ..باللغة التي تجمعهنّ

تلك التي يتخللها الحنين والتسامح،

أحلم بهنّ….بنساء مسّوفه…بنساء ولاته

الكاهنات الحرائر

يالَعذوبتهنّ….

إذْ هُنّ شبيهاتُ رقّة تُريقها غوايات النهار الرائقة

شاعرياتٌ هنّ….شاعريات كشهوة الأوتار المرتعشة”.

صدر للفقيد معجما سوننكياً فرنسيا، و ديوانا شعرياً و أعمالاً أخرى، لم تنل حظها من الشّهرة والتداول والترجمة رغم أنها تستحق. على أمل أن يعي من يهمهم الأمر أهمية هذا الرجلّ كثير الصمت، والذي عاش و مات بصمت، ويمكنُ القولُ بالكثير من الفخر و الزّهو أنّ شعر عُثمان و نثرهُ و أحلامهُ كانت قدراً و دفتراً لساحل الرّوح سيدّ الغواية و كل الجهات، هذا الجميلُ بهيّ الروح، الألقُ الأخير لوجه البلاد الغائبة في الرّيح و الومضة  كما عمائمُ كاسات الشّرقية المليئة بالرُغوة و السّحر و الأنوثة وهيّ تصبُ الشّعر في مخيلة الفقيد، هذه الأسطورة الموريتانية الخالدة.

mez

الشيخ ولد مزيد                   

عن كلتريم ABDELL

حاولوا تصفح الموقع مرة أخرى

باحثون يناقشون تجديد الخطاب الديني

نظم منتدى بيت الحكمة ندوة فكرية تحت عنوان تجديد الخطاب الديني الشروط و الإشكاليات الندوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *