الأحد , مايو 27 2018
الصفحة الرئيسية / Uncategorized / من وحي العبقرية النسوية في الفضاء الحساني{التبراع}

من وحي العبقرية النسوية في الفضاء الحساني{التبراع}

احتلت المرأة في الفضاء الحساني مكانة مرموقة في المجتمع إلى جانب أخيها الرجل في كل شيء فرغم قيامها بشؤون الأسرة ومشاركتها في أمور التعلم والتعليم وفي قرض الشعر زاحمت المرأة الرجل في تناول غرض مهم من أغراض الشعر هو الغزل.

فاخترعت رائدات الابداع في الثقافة الحسانية رغم قيود المجتمع التي تحظر على المرأة البوح بمشاعرها العاطفية أو التعبير بأي شكل من الأشكال عنها بشكل علني فنا أدبيا أطلقن عليه “التبراع” .

والتبراع ظاهرة أدبية تتميز بها المرأة في الفضاء الحساني عن نظيراتها في العالم حيث تستطيع من خلاله المرأة التعبير  عن شعورها للرجل في المجتمع الذي تنتمي إليه .

والتبراع جمع مفرده التبريعة وتعني التبريعة حسب الاستاذ أحمد بابه مسكه”قصيدة صغيرة تعبر بها الفتيات عن مشاعرهن التي يمنع التعبير عنها بوضوح وبشكل صريح أمام الملأ”.

وتحمل كلمة التبراع ـ حسب الباحثة الصحراوية العزة بيروك ـ معنيين :التبرع أو البراعة فإذا قلنا أنها من البراعة فإن المتبرعة يجب أن تكون بارعة في سبك الالفاظ وتنسيقها وإذا قلنا أنها من التبرع فإن المتبرعة تتبرع إلى حبيبها بتبراعها دون انتظار المقابل أو ذكر إسمها”.

وحسب الدكتور الدي ولد آدبه:” فلا يوجد شعر  يختص بالمرأة يتميز بضوابط فنية بنيوية لا يشاركه فيها شعر الرجل إلا ظاهرة شعر التبراع الخاص بالمرأة الموريتانية منذ ما قبل الدولة حتى الان والذي حصرته من حيث المضمون في الغزل وقيدته من حيث اللغة باللهجة الحسانية واجترحت له من حيث القالب الفني بيتا ثنائي الشطرين مزدوج المصراعين في القافية مخالفا بذلك البنية الرباعية الأشطار في البيت من الشعر الحساني الرجالي الذي يسمى القاف”.

ويرى الدكتور محمد ولد عبد الحي أن “التبراع” هو لون أدبي خاص بالمرأة لا يقرض فيه الشعر غير النساء وهي من كلمة «برع» بمعنى تفوق وامتاز ويتألف من شطرين لهما قافية واحدة يتداول في الخفاء وعلى الشفاه دون أن يرقى لدرجة المكتوب”.

ويستخدم “التبراع كوسيلة وحيدة عند الفتيات ـ حسب الكاتبة ينصرها بنت محمد محمود ـ للتعبير عن مشاعر الحب التي يمنعهن المجتمع من البوح بها علنا فيتم التعبير عنها بهذا اللون من الشعر”.

والتبريعة  ـ حسب الكاتب حبيب الله ولد أحمد ـ هي ” أس أم أس” يكتب بالدموع ويرسل عبر أجنحة الشوق ليحمل من تعابير الحب والهيام ما تنوء بحمله راسيات الجبال”.

وقد حافظ “التبراع” على الوزن الذي اعتمده منذ النشأة إلى اليوم والمتمثل في انتماء التافلويت الأولى  ل”حثو اجراد” والتافلويت الثانية ل “لبتيت التام”.

ورغم السرية التامة التي تحيط بالجو الذي يتم فيه إبداع هذا الشعر الحساني استطاعت الذاكرة الشعبية أن تحفظ لنا كما هائلا من هذا الابداع النسوي الرائد والمتنوع الذي يتسم بالوضوح والمباشرة في التعبير عن العاطفة.

وسنقوم بإيراد نماذج من التبراع للدلالة على ثرائه  وتنوع مواضيعه التي تدورحول وصف خصال الحبيب أو أخلاقه والتأسف على غيابه أو عدم اكتراثه بمشاعر المرأة وما تكابده من معانات سواء من صدوده أومن طرف المجتمع الذي يقف حاجزا بين المرأة وحقها في التعبير عن مشاعرها.

فالمرأة تتبع المحبوب تتأمل شخصه وتترصد خطواته وتظل تتابعه عن بعد وحتى وهي تفكر في أرض المحشر تتساءل عنه.

وستكون البداية مع افتتان المرأة بابتسامة الرجل إذ تقول إحدى النسوة:

                      عند تبسيم                  باني فيها ابليس اخويم

فابليس في اللهجة الحسانية رمز للغواية والتأثير الجمالي وإبليس من وجهة نظر هذه السيدة بنى خيمته في هذه الابتسامة واستقر بها.

وفي تصوير مشهد الوداع تقول إحداهن:

                    ليلة وداعو                 قلبي والساني ماراعو

وفي السفر:

                        سافر حد ابعيد               ياملان سفر سعيد

وفي تبليغ السلام:

                      تبليغ السلام              لل سوحل كامل ذ العام

وحول التعلق بالمكان:

                     يوكي يالواد               يعمل بغيو ماه تفكاد

وحول شدة الحب:

                     مافي حفره               من حبو ترفد م لخره

وقد تضمن المرأة بعض الايات القرآنية كنوع من التسلية حينما يطول غياب المحبوب أو يستمر الصدود ويعز الصبر فتقول:

                    يابال صبرا               إن مع العسر يسرا

وقد تلجأ المراة أحيانا من خلال التبريعة إلى تبرير فعلتها فتقول:

                   مايَكْدَرْ يَنْعــــــــــافْ        لَخظارْ فْعيمانْ الجفاف

فهذه التبريعة تبدو مجرد صورة طبيعية لكن المعنى الخفي يكشف عن تغزل في حبيب أسمر فكلمة “لَخْظارْ” تعني في اللهجة الحسانية السمرة.

وقد تذهب بعض النساء إلى درجة التذمر من الواقع وإكراهاته التي يفرض على المرأة تبعا للتقاليد فتقول:

                وَيْلِ ما شْقانِ                منْ عَوايدْ موريتانِ

وقد يدفع هاجس التعلق بالحبيب والرغبة في لقائه إحدى النساء وهي تستحضر الحشر يوم القيامة إلى التساؤل:

               مَنْدَرْتِــــــــي يَكـــَانْ                 رَكَ المَحْشَرْ فِيهْ الصَّبْيانْ.

وإلى هنا تنتهي هذه الدردشة التي حاولنا فيها تناول غرض مهم من أغراض الابداع النسائي الذي تتجلى فيه عبقرية المرأة التي حاولت أن تعبرعن مشاعرها في ظل ترصد الرقيب.

ولله الأمر من قبل ومن بعد

متابعة الحاج ولد أحمدو

عن كلتريم ABDELL

حاولوا تصفح الموقع مرة أخرى

باحثون يناقشون تجديد الخطاب الديني

نظم منتدى بيت الحكمة ندوة فكرية تحت عنوان تجديد الخطاب الديني الشروط و الإشكاليات الندوة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *