الأحد , مايو 27 2018

نهاية تاريخ

نهاية التاريخ
———-
انتهى التاريخ في التسعينيات، وتحديداً في يونيو 1990. أنهاه سيد أحمد ولد الركَاد. وكان ولد الركَاد، الذي نشأ حياةً زاويّة تقليديّة وحفظ القرآن وتعلّم إمساك التاديت ونوش الإبل، سرعان ما بدأ يتغيّر. تفلّت منه القرآن بسرعة؛ وبدأ يختلي بنفسه وينظُر في الغيوم؛ ثمّ أصبح يسمعُ أصواتاً في عودتِه. وسرعان ما اتصل به هاروت وماروت. وبدأ يتماوج؛ وطوّل ذؤابته وحلق نواحي لامتِه. ثمّ بدأ في التبشير بالدِّين الجديد.

وبين ليلة وضحاها تغيّر دين نواكشوط. آلاف الفتيان، مجزوزي نواحي الرأس، مشوّكي الشعر، مشقوقي الجينز، بدأوا يتماوجون في الشوارع. لم يكن هنالك صوت يعلو فوق صوت La Bouche وHaddaway ثم Tupac. نودي في النفير في مكان ما بأنّ هذا عصر التكنو فالراپ. انتهت الحرب الباردة. وبدأت عصر الموسيقى والرقص. وحتّى السفارة الفرنسيّة أبرقت، حزينة، بأنّ موريتانيا سقطت في الأحبولة الأميركيّة. حتّى الاستعمار الفرنسي العريق كان مُهدّداً. كان عصراً نيتشوياً: كلّ القيّم تنهار، كلّ الآلهة إلى غسق. كان كلّ فتىً يمرقُ (حرفياً) من أهلِه، مسلّحاً بـwalkman وسماعتيْن في عنقِه. لا يعترِف بإشارات المرور ولا بأوقات الصلاة ولا بأهليات الوجوب. كان للمعركة صوت واحد: Sweat dreams أو Be My Lover أو What is Love أو Change.

كان واضِحاً أنّ هيدالة قد سقط. وهيدالة كان هو الجبلاوي. وما نُسِب لدستويفسكي عن الجبلاوي هو أنّه قال أنّه: “إذا لم يكن [الجبلاوي] موجوداً فكلّ شيء ممكن”. وسرعان ما تمّ تدمير وكلاء الجبلاوي: الزوايا. لم يعد أحدٌ يستمِع لهم. هُجِرت حكمُهم وأحرِقت كُتُبهم وطورِد كهنتهم. مع منتصف التسعينيات أُحكِمت السيطرة على قلب المدينة بنواكشوط. وكانت القلّة الباقيّة من الزوايا قد لجأت إلى شِعاب الجِبال وطالت لحاها وتسربلت دراريعها وتهتّكت سراويلها وبقيت تُحوقِل، مبحلِقة في عنان السماء، زائغة الأبصار. كان يُقال لهم: اخريرات واشيحنطات. انهار صرف عملاتِهم.

حتّى معاوية اضطرّ لفعل شيء. فأعلن عن الدمقرطة للسيطرة على الراپيرات وعلى التكنو، تماماً كما فعل الرجل الأبيض قبله. ولكن فتيان الستعينيات لم يحفلوا بهرطقات ولد الطايع. أعلن التكنو أنّه محايد سياسياً. ولعب في خيام المعارضة وخيام الموالاة. فالتكنو والرّاپ- حاشاهما- لا يبحثان عن المناصب، وإنّما عن الأرواح، عن الأفئدة، عن القلوب. وأبرقت الصحافة الوليدة بأنّ تكنوا قد رُقِص في الدائرة وفي الحِلّة وفي مضارب كل انتصار وأزقات كيفة وبطائح شنقيطي وسنابل جامبور. وأحكم راقصو التكنو السيطرة على الطرقات. ولم يكن يُفتّش عن الاوراق الثبوتيّة، فهذه كانت سهلة التزوير. كان يُتحقّق، في المقابل، عن قدرة الموقوف على الرّاب وعلى رقص التكنو. كان يُسرّح سراحاً جميلاً أو يُعنّف ويُمسخر ويُصرف إلى حومات التهذيب. كان يوجد إما شقي أو سعيد. وكان ذلك مكتوب على الجبين. واللي مكتوب على الجبين لازم تشوفو العين. كان تكنو هو أكبر مُهذِّب للجماهير. ومن زنزانتِه كان هيدالة يُزمجِر. ماتت كلّ قيّمه. وحتّى ابريكة ولد امبارك، آخر خلصائه، نفسه قد اعتنق التكنو وأقرّ Haddaway.

أمّا نحن، ديدان الكُتب، صغار الحجم، الذين كنّا نجوب الشوارع حافي الأقدام كأنّنا سيدارتا، مسلّحين بقصص رجل المستحيل وسيرة ذات الهمّة وكنّا نُصلِّي من حين لآخر في المساجد وفي الأرض، أيام كانت الأرض مسجداً، وايام كانت طاهرة، فلم نكن على شيء. كان العصر أكبر منّا. وفي النهاية اضطررنا إلى زيارة مطعم الرّمال وفينيسيا والالتحاق بجموع مصاصِّي الدماء السائرين في الليل إلى في شوارع نواكشوط إلى les boites de nuits، يُساقون إلى النبي ولد الركّاد ليدخلوا في الدِّين الجديد.

ذرفنا دموعنا، كأنّنا هند بنت عُتبة. وتساءلنا: هل كُنّا على ضلال. كان والوقت حينها متأخِّراً لكي نتراجع عن الدِّين الجديد. كانت تلك نهايتُنا.

من صفحة الدكتور : عباس ابراهام

فيس بوك

عن كلتريم ABDELL

حاولوا تصفح الموقع مرة أخرى

موريتانية تحصل دكتوراه حول المراقبة البيئية لجودة مياه نهر السنيغال

  نوقشت يوم السبت الموافق 8 يوليو 2017 بمباني كلية العلوم  بالقنيطرة بالمملكة المغربية أطروحة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *